محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

197

شرح حكمة الاشراق

لمّا كانت عبارة عن شئ مّا قام به السّواد لم يدخل فيه ، في ذلك الشّىء ، الجسميّة والجوهريّة ، بل لو كان السّواد يقوم ، وفي أكثر النّسخ : « تقوّمه » ، بغير الجسم ، لقيل عليه إنّه أسود ، فإذا كان شئ مّا له مدخل في الأسوديّة ، وهو أمر اعتبارىّ عقلىّ . وكلّ ما يكون لأمر عقلىّ مدخل في مفهومه كان كذلك ، فلا يكون ، الأسوديّة ، إلّا أمرا عقليّا فحسب وإن كان السّواد له وجود في الأعيان . وأمّا الصّفات العقليّة ، وهي الّتى لا وجود لها إلّا في الذّهن ، كالإمكان ، مثلا ، إذا اشتقّ منها وصارت محمولة ، كقولنا « كلّ جيم » وفي بعض النّسخ : « كقولنا : « جيم » هو ممكن » ، فالممكنيّة والإمكان كلاهما عقليّان فحسب ، أي : ليس شئ منهما بخارجىّ ، بخلاف الأسوديّة ، فإنّها وإن كانت محمولا عقليّا ، فالسّواد ، وهو المشتقّ منه ، عينىّ ، والسّواد وحده لا يحمل على الجوهر . فلا يقال : « الجوهر سواد » ، بل إنما يحمل باشتقاق أو إضافة ، نحو أسود ، أو ذو سواد . ولو صحّ حمل السّواد وحده على الجوهر لما صحّ أنّ الجوهر ليس بعرض ، لحمله عليه حمل هو هو ، لا لما صحّ أنّ المحمولات كلّها ذهنيّة ، لكونها محمولا عينيّا ، فلهذا تعرّض لبيانه [ على ما قيل ، إذ لو صحّ ذلك امتنع حمل السّواد مطلقا . ] وإذا قلنا : « ج هو ممتنع في الأعيان » ، ليس معناه : أنّ الامتناع حاصل في الأعيان ، وفي أكثر النّسخ : « ليس أنّ له امتناعا حاصلا في الأعيان » ، بل هو أمر عقلىّ نضمّه إلى ما في الذّهن تارة وإلى ما في العين أخرى ، فنقول : ممتنع في الذّهن أو في العين . وكذا نحوه ، أي : نحو الامتناع أو الإمكان من الصّفاف العقليّة الّتى اشتقّ منها ، كالموجود والمظلم والسّاكن وأمثالها ، حكمه حكم الممتنع والممكن في كون المشتقّ والمشتقّ منه عقلييّن ، بخلاف الأسود ، فإنّ المشتقّ وإن كان عقليّا لكنّ المشتقّ منه خارجىّ . والصّدق والكذب في هذا القسم بمطابقة المحمول لما في الخارج . كما إذا حمل الأسود على الزّنجىّ ، لوجود السّواد فيه وعدم مطابقته له ، كإطلاقه على الرّومىّ ، لوجود البياض فيه . وفي القسم الأوّل ليس الصّدق بمطابقة ما في الذّهن